موفق الدين بن عثمان

521

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

يزعج القلوب ، وحنين يذهل العقول : « كتمت بلائي من غيرك ، وبحت بسرّى إليك ، واشتغلت بك عمّن سواك » . ثم انتحب بالبكاء وقال : « عجبت لمن عرفك ، كيف يسلو عنك ؟ ولمن ذاق حبّك ، كيف يصبر عنك ؟ يا مسرى العارفين ، وحبيب المقربين ، وأنيس المحبين ، وغاية أمل الطالبين ، ومعين المنقطعين » . ثم صاح : « وا شوقاه ! وا كرباه ! » . فتتبعت الصوت وقد أخذ بمجامع قلبي حتى انتهيت إليه ، فإذا هو شيخ نحيف الجسم ، مصفر اللون ، تعلوه الهيبة ، ويجلّله الوقار ، وعليه سيما « 1 » أهل المعرفة ، فدنوت منه وسلّمت عليه ، فقال : مرحبا بك يا أبا عمرو ! فقال : وكيف عرفت اسمى وما رأيتني قبل هذه الساعة ؟ فقال : نظرت إلى شخصك في الأرض فعرفت مقامك في السماء ، وقرأت اسمك في اللّوح المحفوظ ! فقلت له : يا سيدي ، أفدنى فائدة . فقال : « يا أبا عمرو ، أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نبيّه داود ، صلوات اللّه على نبينا وعليه وسلامه : يا داود ، قل لأوليائي وأحبّائى : ليفارق كلّ منكم صاحبه ، فإني مؤنسهم بذكرى ، ومحدّثهم بأنسى ، وكاشف الحجاب فيما بيني وبينهم لينظروا عظمتي وجلالي وبهاء وجهي ، في كل يوم أدنيهم ، وفي كل ساعة أقربهم من نور وجهي ، وأذيقهم من طعم كرامتي ، فإذا فعلت ذلك عميت هويّتهم عن الدنيا وأهلها ، فما شئ آنس إليهم منّى ، ولا أقرّ لعيونهم من النّظر إلىّ ، يستعجلون القدوم علىّ ، وأنا أكره أن أميتهم ، لأنهم مواضع نظري من بين خلقي ، انظر إليهم وينظرون « 2 » إلىّ ، فلو رأيتهم يا داود ، وقد ذابت نفوسهم ، ونحلت أجسامهم ، وخشعت عيونهم ، وتهشمت أعضاؤهم ، وانخلعت قلوبهم إذا سمعوا بذكرى ، فأباهى بهم ملائكتي وأهل سماواتى ، ينظرون إلىّ فيزدادون

--> ( 1 ) السّيما : العلامة . وفي « م » : « سيمة » . ( 2 ) في « م » : « وينظروا » لا يصح .